الرئيسيةس .و .جالأعضاءالمجموعاتبحـثالتسجيلدخول

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 كتاب مراحل السالكين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زهير
عضو متالق
عضو متالق
avatar

ذكر عدد المساهمات : 9
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: كتاب مراحل السالكين   الخميس مايو 12, 2011 3:22 am

كتاب
مراحل السالكين
تأليف
القطب الغوث الأكبر والأسد الربّاني الأشهر
العلامة الفهامة الوارث المحمدي والنائب الأحمدي
بركة العصر مرشد الدهر شرف الإسلام أستاذ الخواص والعوام
مولانا وشيخنا الأستاذ الأعظم المقبل على الله المعرض عن الناس

السيد بهاء الدين محمد مهدي الخزامي الصيادي الشهير بالرواس
رضي الله تعالى عنه وعنا به
ونفعنا والمسلمين بعلومه وبركاته وآدابه آمين

عني بتصحيحه السيد بدر الدين النعساني الحلبي
الطبعة الأولى
سنة 1125 هـ - 1907 م

بِسمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أفاض على أهل الحقيقة من نور الشريعة ضياء وضاحا، وأبلج لأهل المعرفة من سماء السنة مصباحا وصباحا، والصلاة والسلام على شمس الهداية النور الأول الذي طلع في أبراج الكيان ساطعا، ولألأ في حضرات الغيوب وحظائر الشهود لامعا، فأيد باطن الحق بمحق الباطل في البطون والظهور، وأخرج الأمة بقوة عزم عزيمته المقدسة من الظلمات إلى النور، فهو( محمد الهادي إلى الله )، والدال على الله، والمعلّي لكلمة الله في مُلك الله، عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المرضيين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أفضل الصلاة والسلام، في كل حضرة ومقام، ما برز خفي سر عن جلي إلهام، وانطوى بارز في منشور دور الأيام، على الدوام، آمين.

أما بعد، فيقول أضعف العباد، في الإصدار والإيراد، خويدم العلماء والفقراء، والمنعوت في حظيرة الحظائر بغريب الغرباء،( محمد مهدي ويلقب بهاء الدين )، ابن علي آل خزام الصيادي الرفاعي الحسيني، كان الله له ولوالديه وللمسلمين غوثا وعونا في كل مغيَّب وعينيّ، وغفر له ولهم أجمعين إنه ولي المتقين.

هذا كتاب مبارك شريف سميته (مراحل السالكين) نفع الله

به المحبين والمسلمين آمين.
مقدمة
قد عرف العارفون من أرباب الهمم الصادقة، والأذواق الحقة والمشاهدات الحاذقة، أن الطريقة العلية الرفاعية، والمحجة المباركة الأحمدية، هي التي تؤول في منهاجها، وترتقي في معراجها، إلى سيد القوم، المبرأ في طريقه عن اللوم، ألا وهو علم الله المنشور، وبحر المدد المسجور، سلطان الأولياء، وبرهان الأصفياء، (المشَرَّف بين الألوف بتقبيل يد جده سيد الأنبياء، عليه صلوات خالق الأشياء )، شيخنا وسيدنا الغوث الأكبر، والقمر البتولي الأزهر، إمام الدوائر جحجاح الحظائر، شيخ الأكابر والأصاغر، الوارث المحمدي الأكمل، والنائب النبوي الأفضل، بحر العوارف الصمدانية، شمس اللطائف والمعارف النبوية، القطب الفرد الجامع، الخاشع الخاضع المتواضع، رب المناقب الصحيحة المسلسلة، المرشد الذي هو في منصّة النيابة الجامعة، شيخ من لا شيخ له، أبو العلمين، قرة عين جده الإمام الحسين، نبعة حال السبطين الجليلين، رافع رايتي النيابتين، أستاذ الفريقين، المندوب لما استودع من السر الإلهي في جميع الدواعي، ( مولانا السيد محيي الدين أحمد الكبير الرفاعي )، رضي الله عنه وعنا به، وجعلنا من خاصة أشياعه وأحبابه، وأوقفنا لخدمة مشربه المحمدي في بابه، وأدّبنا الله بحقائق آدابه، ونفعنا بعلومه وأسراره، وأحواله ومقاماته وأطواره، والمسلمين، إنه البر المعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زهير
عضو متالق
عضو متالق
avatar

ذكر عدد المساهمات : 9
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الخميس مايو 12, 2011 3:47 am

وطريقته العلية التي تُنسب إليه، ويدور مدارها المبارك
عليه، هي عند من يعرف سر الشرع الأنور، ويفهم لباب منهاج طريق القوم الأزهر، أقوم
طرق أهل الحقيقة على الحقيقة، وأقرب معاريج أرباب الطريقة إلى







بحبوحة الطريقة الحقيقة.





غير أن
أمر الدين الحنيفي يحتاج للتجديد لِما يطرأ من أولي الإهمال والجهالة عليه، ولما
يضيفه أرباب الأحقاد مما لم يكن منه إليه، يشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم
(إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).






هذا لما
يطرأ على الدين من موجبات التجديد ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
أنه كان يقول: أنتم اليوم في زمان
،
الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي
عليكم زمان يكون فيه العلم فيه تابعا للهوى. وقد صح عن سيدنا (عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما) أنه قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سُنّة وأحْيَوْا
بدعة حتى تموت السُنَن وتحيى البدع. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يظهر المنكر
والبدع حتى إذا غُير منها شئ قيل: غيرت السنة.






قلت:
وأطال في حديثه المبارك ثم قال: أكيَسُهم في ذلك الزمان الذي يروغ بدينه روغان
الثعالب، وفي سنة ثمانين وقد كان الحجاج الثقفي أميرا على العراق من قبل الأمويين
فقد كان سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ما أعرف شيئا كان على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا وقد غُير إلا شهادة أن لا إله إلا الله، قيل: فالصلاة؟
قال: أوليس قد أحدثوا في الصلاة ما علمتم، يعني تأخيرها والتثويب قبلها، وهو
السلام على الأمراء يضاهون به الإقامة فجعلوه كالسُنة.






قال الشعبي
طاب ثراه: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج لأن الحجاج ابتدع أشياء
أنكرها الناس عليه في زمانه وهي اليوم سُنن معروفة، وأعمال مستحسنة، يترحم الناس
على من أحدثها ويغبطونه ويحسبون أنه







مأجور عليها مشكور سعيه فيها ولا يعرفون أن الحجاج
أحدثها.






فهذه العوارض
تطرأ على أمر الدين ولذلك يحتاج إلى التجديد فبالأولى أن يطرأ مثل ذلك على حال وليّ
أفرغه في الأمة وامتزجت فيه العادات المستحسنة لحكمة، وبدت فيه الأسرار الربانية
لباعث، فذلك الحال الذي هو سنن الولي في طريقته يحتاج في كل آن للتجديد، والمجددون
من أهل العلم قليلون، ولا تزلق فترى من كثرت أتباعه وانتشرت أشياعه من المجددين،
كلا بل المجدد من ظهرت على يديه أسرار إحياء الس
ُنّة وإماتة البدعة، وشرفت أفعاله، وسلمت من الزيغ
أقواله، وصح بالاتباع المحمدي حاله.






قال شيخنا
إمام الصدّيقين في زمانه، حكيم الأولياء (السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه): كل
طريقة خالفت الشريعة فهي زندقة؛ فالطرق التي لم تشرق مناهجها بنور عِلمِ النبي صلى
الله عليه وسلم وعمله كلها باطلة، والطريق الحق، طريقه صلى الله عليه وسلم.






قال
أرواحنا لجنابه العظيم الفداء: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب
الله وسنة رسوله).



وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا).



وقال تعالى (وإن هذا صراطي مستقيما)، والصراط المستقيم
طريق المصطفى الأعظم صلى الله عليه وسلم وسُنّته.






وقد درج
على اتِّباعِهِ عليه الصلاة والسلام آله وأصحابه والقوم الخُلَّص من السلف الصالح،
ففازوا وغنموا؛ لأن من يعمل بسُنّته وحاله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.



وذلك لأن الله تعالى وعد من اهتدى بهديه عليه الصلاة
والسلام بإعطاء







زيادة الهُدى، فقال (والذين اهتدوا زادهم هدى)(17- محمد)
، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
)69- العنكبوت).





وقد طرأ
على طريق القوم ومن
هاجهم منذ قرون العجائب من الأقوال والعادات، حتى كادت تدخل عند الكثير من
أتباعهم في العبادات، وأقبحها والعياذ بالله تعالى القول بوحدة الوجود المطلقة،
والازدلاف عن وهم إلى مشارب أهل الحلول، والأخذ بالتبجح والشطحات ونسبة التأثير
إلى المخلوق استبداداً، وغير ذلك من المفاسد التي تضرُّ بالدين وتُدخل صاحبها في
زمرة المخذولين، ولا عدوان إلا على الظالمين.






وقد صان
الله تعالى طريقة سيدنا ومولانا (السيد أحمد الكبير الرفاعي) رضي الله عنه من هذه
المزالق، فهي إلى الآن لم توجد في أتباعه وأشياعه، ولا قال بها منهم قائل، لا من
كبارهم ولا من صغارهم.



وغاية ما نقمه عليهم الناقمون دخول بعضهم في النيران،
وركوب السباع، والضرب بالأسلحة القاطعة، وشرب السموم، والتسلق إلى المنارات
والنخيل وإلقاء الرجل نفسه إلى الأسفل، وشيوع ذلك في عامتهم وانهماكهم بمثل هذه
الأفعال، حتى غار لمثل هذه الخوارق الجليلة بعض الفقهاء، وإن لم يبلغوا مرتبة
الفقهاء الأحِقّاء، فأرادوا تحريفها وإسقاطها عن مرتبة الكرامة بدعوى أنها لم تصدر
عمّن لم يكن بنسبة أقيستهم ولياً يستحق الكرامة.



وقد غلطوا بتأويلاتهم وابتُلوا فيما يمزق حالهم من جهة
أخرى، فمن أولئك المتفقهة أناس صححوا اللسان وأمرضوا الجَنان، تزيَّنوا للناس في
الظواهر، وأفسدوا البواطن، وأعملوا الألسن بمذمّة المسلمين، وقادوا الناس لسوء
الظن بإخوانهم المؤمنين، ونسوا ما وجب عليهم من حقوق الله، وخالفوا فيما اقترفوه سُنن
السلف الصالح عليهم رضوان الله.







وآخرون كبر علمهم عن عقولهم فلم يُحسِنوا التصرف في
العلم، فخبطوا مع كثرة علمهم، وغلطوا ورفعوا بزفرة الدعوى أنفسَهم فسقطوا.



ومنهم أناس همهم الجعجعة بين العامة لجلب أنظار الرعاع
إليهم، وجمع الغوغاء من الأطراف والأوباش عليهم لغرض في النفس حالة كونهم لا حظ
لهم من الاتباع الصحيح، بل هم ساقطون في وهدة الحال الشين القبيح.



ومنهم من يتحكم حمقاً بالأحكام فيصرفها إلى غير ما أتت
به وله، يثبت منها ما أثبته، ويهمل ما أهمله. وما كل أولئك بفقهاء وإن شاع ذكر
بعضهم، والتفَّتْ عليهم المحافل، وجادلَ لهم المُجادل.



سأل فرقد رضي الله عنه الإمام (الحسن البصري رضي الله
عنه) في مسألة فأجابه، فقال له: يا أبا سعيد! إن الفقهاء يخالفونك، فقال: ثكلتك
أمك فُرَيقد، وهل رأيت بعينك فقيها؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في
الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف
عن أموالهم، الناصحُ لجماعتهم.






فأقول: إن
صدور الخوارق التي مرَّ ذِكْرُها على يد الرجل المنتمي لطريقة (سيدنا الإمام
الرفاعي) رضي الله عنه ، صالحاً كان أو لم يكن، لا يُعَدُّ ذلك كرامة له، وإنما هو
من إكرام الله تعالى لعبده ووليِّه (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه، هبة الله
له، وهي سارية جارية لا تنقطع بإذن الله، فإن الله سبحانه وتعالى إذا وهب ما
استرد.



نعم يعاتَب البعض ممن ينتمي للطريقة العليّة الرفاعية
على عدم التمسك كل التمسك بما كان عليه إمام الطريق رضي الله عنه، ويؤاخَذ لعدم
العلم بشأنه ومنهاجه، وسلوكه وآدابه، وحِكَمِهِ وأطواره وأخلاقه، وحلمه وتواضعه
وتحققه،







بالحال والشأن المحمديين، والغيرة على الشرع الشريف، ورِقّة
التعبير في النصيحة وإبذالها للمخلوقين جميعا، هذا مع إرادة النفع لكل الناس على
اختلاف أجناسهم ولغاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، ومعرفة المراتب والحدود والتحلي
بالوفاء بالعهود والوقوف عند الحدود.






ولغفول البعض عن هذه
الحقيقة أردت أن أخدم طريقه المبارك ومنهاجه السعيد بهذا الكتاب المستطاب، ليجدد
إن شاء الله لسُلاّك الطريق أحكامه، وليرفع في حضرات الحقائق الشرعية أعلامه.



وهو كتاب مع اختصاصه بالطريق الشريف الرفاعي لا يستغني
عنه عاقل من س
ُلاّك الطُرُق السائرة؛
فإن طريق القوم واحد كله إلى الله ورسوله عائد، فمن أراد سلوك
الطريق المحمدي الذي لا غبار عليه، وانتهاج المنهج الأحمدي الذي طارت قلوب أهل
الوجدان إليه، فعليه بهذا الكتاب المبارك، وليتخذه حرزاً وذخيرةً وكنزاً؛ ففيه
بعون الله إلى الحق الطريق الصواب، وإلى ساحة الوصول باب اتصال، ياله من باب،
والله الموفق المعين، وهو يتولى الصالحين.






وهنا سننص
على مراحل القوم إلى حضرة القدس مرحلة مرحلة، ليتضح الطريق إلى رُكبان الحقيقة، وسُلاك
الطريقة، وهذا هو الطريق، وإنما إثمه على الذين يبدلونه وحسبنا الله ونعم الوكيل.





أول
المراحل: القيام بأركان دين الإسلام الخمسة





وهي
الإتيان بالشهادتين المباركتين، والصلاة والصوم والزكاة وحج البيت إن استطاع
المؤمنُ إليه سبيلا.





أما النطق
بالشهادتين والإيمان بما انطوتا عليه فهو حصن الله الأكبر، وهو باب كل خير ديني
ودنيوي، ولا ينفع بغير الشهادتين عمل، ولا يتم للعبد







بسواهما من حضرات الحق أمل، وبهما يفرق بين المؤمن بالله
وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبين غيره، وكلمة
)لا إله إلا الله( نور القلب والسر، وكلمة (محمدٌ رسول الله) نور الوجه، ومعراج الروح إلى حظيرة
القدس، بهما الخروج من الظلمات إلى النور، والنجاة بعون الله يوم الحشر والنشور.






ففي (لا
إله إلا الله)،
القول بوحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد، ألا وهو الله
الذي لا إله إلا هو الذي لا شريك له، ولا نظير له، ولا ندَّ له، ولا ضدَّ له، الذي
يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير.



والتوحيد قد عَرَّفه سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه
وعنّا به فقال: هو وجدان تعظيم في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه.



والبراهين على التوحيد قائمة في كل شئ، وبادية من كل شئ،
لا يجهلها إلا من سفه نفسه.






وفي قول (محمد
رسول الله)،
نَشْرٌ لِلِواءِ التصديق لمُعَلِّم الخير، المُبَلِّغ الأعظم،
على رأس المُتََبِّع المؤمن المطيع، لتحصل له الولاية العامة من رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما في قوله تعالى (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وبدوام
الذكر طمأنينة القلب، وحسن الذكر في الملأ الأعلى.



وبكثرة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم،
بركة الامتثال لأمر الله، والموافقة لله ولملائكته عليهم السلام، ونور القلب
والوجه، والصلاة من الله على العبد، وهي الرحمة المحيطة التي تجيز، بإذن الله، العبدَ
على الصراط، وتحسُن بها العاقبة إن شاء الله تعالى.






وحيث حصل
التنبيه على قول (لا إله إلا الله) فقد لزم أن نذكر شيئاً مما يتعلق بالذكر. عن
أبي رزين رضي الله عنه أنه قال: قال له رسول الله







صلى الله عليه وسلم: (ألا أدُلُّك على ملاك هذا الأمر
الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ فعليك بمجالس الذكر، وإذا خلوت فحرِّك لسانك ما
استطعت بذكر الله، وأحب في الله، وأبغض في الله يا أبا رزين، هل شعرت أن الرجل إذا
خرج من بيته زائراً أخاه شيَّعه سبعون ألف ملك كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا وصل
فيك فصِلهُ، فإن استطعتَ أن تعمل بجسدك في ذلك فافعل).



قلت: قال الله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا)،
ومن مفهوم هذه الآية الكريمة، ومن مفهوم قول الله تعالى (قل الله ثم ذرهم في خوضهم
يلعبون)، أخذ القوم بنص "الله" أو "يا الله"، والذكر الأتم
الذي يشتمل على أحكام العلم هو الذكر بنص "لا إله إلا الله".



قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم (كل كلام ابن آدم عليه لا
له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله)، وقد أجمع أهل العلم أن الصحابة
والتابعين رضي الله عنهم كان شغلهم في خمسة أشياء، قراءة القرآن، وعمارة المساجد،
وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.



وعن عمارة بن صياد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سمعه يقول
في الباقيات الصالحات: ( أنها قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا
إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وأسند النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (استكثروا من الباقيات الصالحات)،
قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال (التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا
قوة إلا بالله).



وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء (عليك
بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يحططن الخطايا كما تحط
الشجرة







ورقها)، وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل ما قلتُ أنا
والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وقال سبحانه (فاذكروني أذكركم).



وفي الحديث القدسي (من ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خير
منه)، وفي هذا المقدار لمن يعتبر في فضل الذكر كفاية.






وأما الصلاة،
فهي بعد الإيمان بالله تعالى أشرف العبادات، وأجل
ّ الطاعات، وهي عماد الدين، قال صلى الله عليه وسلم
(الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين)، وقد
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له : لم
تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال (أفلا أكون عبداً شكورا).



وإنما الصلاة شُرِّعَت شُكراً لنعمة البدن، وما يصل إليه
من المِنَن، ويُدفع عنه من النوائبِ والمِحن، ولما استقر في السر من نعمة الإيمان،
ونور الإذعان والإيقان، ومحو ظُلمة السوء والبطلان، والكفر والظلم والعدوان، فتكون
حينئذ الصلاة شكراً لأنعم الله الظاهرة والباطنة، وبالشكر تدوم النعم وتندفع الظُلَم.



قال الله تعالى (أقم الصلاة طرفيّ النهارِ وزُلَفاً
من الليل إن الحسناتِ يُذهبن السيئاتِ ذلك ذكرى للذاكرين)، وقال تعالى (اتل ما
أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وقال المفسر
الأعظم صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمُنكر
لم يزدد من الله إلا بُعدا).



وقال شيخ الطريق، وصدر التابعين الإمام الحسن البصري،
ومثله قال قتادة رضي الله عنهما: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست
صلاته بصلاة، وهي وبالٌ عليه، ألا ترى أن الآية الكريمة صدرت (بإنّ) للتحقيق







والصلاة جاءت مُعَرَّفَة؟ أي على التحقيق لا مُحالة،
الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمُنكر. وتدَبَّر، فإن الله تعالى أوجب على عبده
الصلاةَ ومنعه عند أدائها عن الأكل والشرب، والكلام والحركة والسكون الذين ليسا من
أجزاء الصلاة، وأمره باستقبال القِبلة التي ارتضاها لمناجاته وجهةً، ولمحاضرتِهِ
طريقا، ومنعِهِ عن الإلتفات في الصلاة إلى غيره، بل أمره بالتوجُّه إليه في ظاهرهِ
وباطنه، ليولّي وجهة قلبه ووجهه إلى وجه الله، كما قال تعالى (فأينما تولّوا فثَمَّ
وجهُ الله).



فيكمل حال صدقه،
ويتم صدق حاله، ويستعد لمحاضرة ربه، ويزداد يقيناً بوعد ربه ووعيده، ويجاهد في
الله بكلِّهِ، وهنالك يكون الحظ الأوفر من سِرِّ قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا
لنهدينَّهم سُبُلنا)، فتحِفُّه أنوارُ الهداية بباطنه وظاهره، ويكون مع الأنبياء
والأولياء والصالحين مُنَعَّماً إن شاء الله في الجنة بالنظر إلى وجهه الكريم.






والحُكم
في الصلاة إقامتها على نص أحد المذاهب الأربعة المتبعة في الإسلام؛ فإن الله جمع
كلمة المسلمين على المذاهب الأربعة، أعني مذهب إمامنا الشافعي، والإمام أبي حنيفة،
والإمام مالك، والإمام أحمد، وكلهم على هدى حملوا لنا شريعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وأحاطوا بأكثر أسرارِها وأحكامِها، فاجتمعت براهينُ الشريعةِ وأحكامُ
أصولها وفروعها في مذاهبهم، وهم أعلم ممن بعدهم بنصوص الشريعة، وفصول السُنّة
السُنِّية، ودقائق الأحكام الدينية.



ولم يُنقل عنهم نص أصلي أو فرعي إلا وهو من لباب
شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفلسفُ بعد تنقيح أحكام الشرعِ الشريف وجمعها
في هذه المذاهب الأربعة والازدلاف إلى الرأي من تزيين الشيطان،







ولا ينفع زعم الأخذ بالحديث الشريف كما ذهب إلى ذلك بعض
الطلاب وذلك لنقصٍ في العلم، ولعدم الإحاطة الكاملة في الأسانيد ومعرفة الرواة
وأخبارهم، ولعدم التبحُّر في تفسير كلام الله كل التبحُّر مع الوقوف المحيط على
عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وكل المعرفة بأسرار أعماله واختلاف مشارب الصحابة
ومذاهبهم وأذواقهم فيما كان من ذلك فرعاً أو أصلا.



فقد
يعدل الصحابي عن العمل بقولٍ صحيح ويعمل بعملٍ صحيحٍ رآه من الحبيب المليح صلى
الله عليه وسلم، وهذا لا يكون من قبيل المباينة بين القول والعمل، بل هو من قبيل
التوسعة في الدين، قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج).



ولهذا جاء
(اختلاف أمَّتي رحمة) والاختلاف ما هو بالخلاف، فليحفظ.






ومن أسرار
الصلاة تكرّرها في اليوم والليلة خمس مرات لتتواصل أنوار المحاضرة مع الله في
القلب، فيذكر العبد موقفه بين يديّ ربه وقيامه لديه مسؤولاً عما أسرَّ وأعلن،
وهنالك لا يظلم بين الصلاتين أحداً، ولا يعدو على أحد، ولا يحتقر أحداً، ولا يطمع
فيما لا يجوز له به الطمع، ولا يكذب ولا يخون ولا يُهين أحداً من المخلوقين، ولا
يغفل عن الله فيطغى، ويرى الآخرة خيراً من الأولى، ويجعل أعماله لله ولنفع عباد
الله، فيأتي حينئذٍ بالصلاة المعرفة المرْضية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومتى
انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد صلّى الصلاة التي افترضها الله عليه، وجاء بالركن
الأعظم بعد الإيمان من أركان الإسلام.






وليعلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم)، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في







ثلاثة أوقات، عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى
تزول، وعند تضيّفها للغروب حتى تغرب، وقال عليه الصلاة والسلام (ما من امرئٍ مسلم
تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفّارة لما قبلها من
الذنوب ما لم يأت كبيرة)، والإحسان في الوضوء أن يأتي بجميع فرائضه وسننه وآدابه
كما نصّ في مذهبه الذي يتمذهب به.



ولهذا
السرّ يجب عليه التعلم من علماء مذهبه أحكام صلاته ووضوئه، وأن يتفقه عليهم بأمر
دينه حتى يكون مهبطاً للخير الإلهي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يُرِد
الله به خيراً يفقهه في الدين)، ومتى حصلت له بركة الفقه في الدين، قامت به الخشية
من الله، وظهر في كُلِّه الخشوعُ لله، وعرف رتبة المحاضرة في مقام العبادة مع
الله.



قال صلى
الله عليه وسلم (إنما الصلاة تمَسْكُنٌ وتواضعٌ وتضرُّع)، ورأى عليه الصلاة
والسلام رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال، أرواحنا لجنابه المحمدي الفداء، (لو
خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وفي الخبر الشريف (لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يحضر
فيها قلبه مع بدنه)، وقال عليه الصلاة والسلام (إن الله مُقبلٌ على المُصلّي ما لم
يلتفت)، أي ما لم يلتفت إلى أمور الدنيا فيشغل قلبه بالدار والجار والمرأة
والدينار وأشباه ذلك.



وإلاّ فالتفاتُهُ إلى أمور الآخرة والتفكُّرِ
بأحوالها والاعتبار بعالم الأرواح والملائكة وسيرة النبيّين وصلاتهم وخشوعهم
وأحوالهم، لا يكون مُنكَرا، يدُلُّك على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (من صلّى
ركعتين لم يًحَدِّث فيهما نفسَه بشئ من الدنيا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه).



وذهب
بعض الأئمة الأجِلاّء رضي الله عنهم إلى أن أنين العبد وبكاءه







ولو بصوتٍ عالٍ في الصلاة إذا كان من ذكر الجنة أو النار
أو من خشية الله لا يكون كل ذلك مُفسِداً للصلاة؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع لله
والخشية منه تعالت قدرته، وإلا إذا كان ذلك بسبب وجعٍ أو مصيبةٍ أو أمرٍ من أمور
الدنيا فإنه يُفسد الصلاة.



ويجب
تدارك حفظ القلب في الصلاة من الخواطر الدنيوية الشاغلة عن الخشية لله والتقرُّب
منه، ولا يمكن ذلك إلا بذكر الموت، ودوام ملاحظة القدوم على الله تعالى، واستحقار
الدنيا وزينتَها، والتجرُّد بالكُلِّية عنها حالة المحاضرة مع الله سبحانه وتعالى.






وأما الزكاة،
فهي من أفضل الصدقات، ولها أسرار
ٌ كثيرة، وبركاتٌ وفيرة، قال الله تعالى (مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل
الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كلِّ سنبُلةٍ مائة حبة والله يضاعِفُ لمن
يشاء والله واسع عليم)، وقال تعالى (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبعون
ما أنفقوا مَنّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).



ومثلُ
هذه الآيات الكريمة يشملُ الزكاةَ وغيرَها من الصدقات، وأشرف الصدقات وأجلّها وأتمّها
قُبولاً الزكاة. وإنمّا شُرِّعَتْ الزكاةُ لدفعِ حاجةَ الفقراء والمساكين لئلا
يشغلهم الفقرُ عمّا خُلقوا له من العبادة لله تعالى.



وهي بنصابها المقرَّر شرعاً ضربةُ لازب، لا بد
للمسلم من إيتائها فإن الله تعالى لم يأمر بالصلاة إلا وألحق الأمر بعدها بالزكاة
على الغالب إعظاماً لشأنِ الزكاة.



ومن أسرارِها الحثُّ على الكسبِ من الحلال والإنفاقِ من
الحلال على النفس وعلى الغير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على كل مسلم
صدقة)،







قالوا: فإن لم يجد؟ قال (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)
قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال (فيُعين ذا الحاجة والملهوف)، قالوا: فإن لم
يفعل؟ قال (فيأمر بالخير)، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال (فيمسك عن الشر فإنه له صدقة).



وعن
ابن عباس رضي الله عنهما، جعل الله صدقة السر في التطوع أفضل من علانيتها، وجعل
صدقة الفريضة، أعني الزكاة، علانيتُها أفضل من سرها. ففضَّلَ علانيةَ صدقة الزكاة
ليعلم القائم بهذه الفريضة، وليقتدي به غيره، ولتعلن كلمة الله في الفرائض، فتقوم
بها عصائب المسلمين إعظاماً للحُكم، وفي ذلك من المنافع مادةً ومعنى ما لا يخفى
على درب له شمّةٌ من علم الشريعة المطهرة.



وقد عرفتَ أيها المُحِب أن الإسرار في
النوافل كلها، والإعلان في الفرائض كلها من آداب الشرع الشريف، فاجعل تلك القاعدة
دستورا لأعمالك،
واعمل لله، وابذل في الله، وانفع نفسك وغيرك فيما يُرضي
الله يحصل لك الرضاءَ من الله والمددَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغدو في
أمان الله والحمد لله رب العالمين.






وأما الصوم،
فقد شُرِّعَ لقهرِ النفس الحيوانية، وإخماد ثائرتِها الشهوانية، وأنموذجاً عن
التساوي الأخرَويّ بين الناس، كبارها وصغارها.



وفيه حثٌّ أيضاً على الكسبِ الحلال، والبذلِ الحلال؛ فإن
الصائم يحب أن يوسِّع في رمضان على أهله وعيالِهِ ونفسه، وأن يتصدّق على الفقراء،
ولا يُقبَل ذلك إلا من مالٍ حلال.



ومن هذا السر تفهم أنّ الشرعَ حثّكَ على العملِ الصالح،
وجمْعِ المال من الطريقِ الحلال، واستهلاكه في الطريق الحلال، وخير الصيام صيامُ
رمضان لكونه من فرائضِ الله، وبعده فلا
حرج في الدين.







ومن أسرار الصوم، صَونِ القلب والجوارح ليكمل للصائم
العمل الصالح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يترك قولَ الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يترك طعامَه وشرابه)، وقال عليه الصلاة والسلام (خمس يفطِّرْنَ
الصائم، الغيبة والكذب والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة)، ومعنى قوله عليه
الصلاة والسلام (يُفطِّرْن)، أي يُفسِدْن، يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (كم
من صائمٍ ليس له من صومِه إلا الجوع والعطش).



ومن
أسرار الصوم عند الصِدِّيقين، رفعُ الحُجُبِ عن القلب، وطردُ الشيطان، فينظر
الصائم العارف بعين قلبه إلى ملكوت السماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لولا أن الشياطينَ يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء)، وتفسيرا
لسِرِّ هذا المعنى الكريم قال عليه الصلاة والسلام (لا يدخل ملكوت السماء من ملأ
بطنه)، أي لا يدخل بهِمَّتِه وصحيح فكرته، ولا يرى ببصيرته حقائق ملكوت السماء
لحجاب الشَبَع.



وهذا
الأدبُ جارٍ في أيام الصوم وغيره، أعني عدم الشبع، فلا يملأ الحكيمُ العاقلُ بطنَه،
فإنه شرُّ وعاء يملأه. وقد علمنا أن الصائم العارف يسعى لتزييد المال الحلال، من
الطريق الحلال، وينفع بماله الفقراء وذوي الحاجات، ولا يسيء أحداً لا بيده ولا
بلسانه، ويكون نفعاً عاما، فتراه كالغيث، أين وقع نفع، وكذلك أهل الإيمان والله
المستعان.






وأما الحج،
فشرطه ال
إستطاعة، قال الله
تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت
يهودياً أو نصرانيا)، يعني إذا ملك الزاد له ولعياله، إن كان ذا عيال، والراحلة،
ولم يكن له حائل يمنعه عن







بيت الله، لا في نفسه ولا في حاله، وتقاعدَ عمداً عن
الحج فقد وقع في خطر الحديث الشريف.



ومن
آداب الحج، أن يتوب المرء حالة تأهبه للحج، وأن يقضي ديونه، ويُرضي خصومه، وأن
يتخذ رفيقاً صالحاً للطريق، وأن يوسِّعَ في طعامه وشرابه في الطريق، ويُليِّنَ
الكلامَ مع المكاري والخادم إن كان له ذلك، وأن يرفق بالدابة؛ فلا يُحَمِّلها ما
لا تطيق أويصعِّبَ عليها، وأن لا يتجاوز الحدَّ المعروفَ بزينة اللباس، وأن يترك
فضول الكلام، وأن يُكثِر من تلاوة القرآن، وإن لم يكن قارئاً فليُكثِر من تلاوة
فاتحة الكتاب، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يذكُرَ اللهَ
كثيرا.



وعليه
أن يتفكَّرَ ويتدبَّر في حِكَم الحج، فإن منها الحث على اقتناء المال الحلال،
ومنها التعارف مع الإخوان، والوقوف على أحوال الشعوب والقبائل وصنوف الأمة في
الأصقاع البعيدة، فيتعلم ما يَحسُن، ويتباعد عما يقبح، وينتصر للمظلوم، ويقتدي
بالصالحين، وتعلو في الله همته، فيعْلَمَ العلم اليقين أن حفلة الدين لا تقوم إلا
بالأمن والأمان وراحة البال وطيب المال وقوة الرجال، ويرى قيام الصفوف في الله،
فيعمل مع الجماعة لا يشذ عن إخوانه المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم قال (يد
الله مع الجماعة) الحديث.



فلا يخالف
سواد المسلمين شاذّاً مُبتدعاً، ولا زالاًّ مُلحدا، ولا ينقُض عهداً، ولا يشُقَّ
العصا، ولا يندمج فيمن عصى، يكون بما يكسبه إياه نظره من العبرة في صف الذين
يتعاونون على البر والتقوى، ولا ينخرط في صف أُناسٍ يتعاونون على الإثم والعدوان،
يترك الهجر والهُجر، ويعمل بالخير والبر.



ومن حِكَمِه
العالية، أعني الحج، أن الله تعالى جعله رهبانية لأمة محمد صلى الله







عليه وسلم، وجعل سفَرَهُ مِثالاً لسفِرِ الآخرة، فيتذكر
الحاج في سفره ووداع أهله وداع الأهل في سكرات الموت، ويتذكر من مفارقة الوطن
الخروج من الدنيا، ومن التفافه بالإحرام الالتفاف بالكفن، وهنالك يكون مُتنبِّهاً
يقِظاً، لا يظلم ولا يطغى ولا يتكبر، ولا يرى له على غيره مَزِيَّة، ويُعرض عن
الدنيا الدَنِيَّة بقلبه وكلِّه، ويجمعها من الحلال ليُنفقها في الله ذريعة يتخذها
للنجاة في يوم العرض على المَلِك الدَيَّان، إذا قَدِمَ عليه عارياً أشعثَ أغبر،
لا فرق بينه وبين عبده يتطلب فضل الله، ويترقَّب رحمة الله، ولا حول ولا قوة إلا
بالله.




وفي هذه الأركان الكريمة، فعلى المسلم أن يتعلم من
علماء مذهبه الذي يتمذهب به أحكامها وفرائض الأعمال المُنضمَّة بها،
والسُنَن المُندمِجة فيها، وأن يُخلِصَ في أعماله، ويجمع بين صحيحِ حالِه وصادقِ مقالِه، وأن يُنزِّهَ نفسَه عن
النقائص، ويتحلّى بأشرف الخصائص، ويتحقق بالإخلاص المحض، ألا لله الدين الخالص.




مرحلة
الصحبة





هي من أجلّ
عقبات الطريق وأصعبها وأسهلها، صعبة سهلة يعرف الأمرين فيها أهل العرفان، وأرباب
الذوق الطاهر والوجدان ولا بدع، فإن آداب الصحبة كثيرة، أساسها التوبة ثم التحقق
بحال الأستاذ في كل حال، والتخلق بأخلاقه، والعمل بأعماله، والقول بأقواله، ولذلك
لا تصح صحبة من لم يكن كاملا
ً عارفاً
فاضلا
ً كبيراً
في طريق الحق، متمس
ِّكاً
بالس
ُنّة
المحمدية، والسيرة المصطفوي
ّة، مُبَرّأ
من الزيغ والابتداع، شريف الخلال، طاهر الطباع، ليكون قدوة
ً
لمن يصحبه، وللصحبة آثار
.


وقد جاء في الخبر عن النبي الأبرّ
صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله







فلينظر
أحدكم من يخالل).



ومن أعظم آداب الصحبة، صحة الاتباع بحُسْنِ
الظن للأستاذ، وال
إستسلام لحكمته، والأخذ
بعقيدته بعد التحقق بأنه على الس
ُنّة
ال
ُسنّية لم
يبرح، معتقدا
ً ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وآله وأصحابه والتابعون، نفعنا الله تعالى والمسلمين بشريف أنفاسهم وجليل نفحاتهم،
ودائم بركاتهم.






وقد يصحبُ
الخب
ُّ السيئُ
الظن
ِّ العارفَ
الكامل
َ المحمديّ،
ولكن يصحبه بقلب
ٍ فاسد، وعينٍ
منتقدة، وظن
ٍّ قبيحٍ
سيئ، فلا يزداد بصحبته إلا ب
ُعداً
عن الله، وعداوة
ً للحق وأهله.





وقد يصحب البرُّ
الكريم
ُ الرجلَ
الصالح
َ، الذي لم يبلغ مرتبته ذلك العارف المحمديّ،
ولكن يصحبه بقلب
ٍ سليمٍ
وني
ّةٍ طاهرةٍ
واعتقاد
ٍ جيّد وظنٍّ
حسن، فلم يبرح حتى يفتح الله عليه، وينتظم ببركة ني
َّتِهِ
وطهارة
ِ قلبه، وحسنِ
اعتقاده في عداد الصالحين الواصلين، وكذلك جرت عادة الله، ولا إله إلا الله.






وعلى هذا، فمن أهم الواجبات على الصاحب السالك
أن ي
ُحْسِنَ
الظن
َّ بأستاذه، ويعتقد به الخير والصلاح، وأن لا
يتطرق بالنزغة الإبليسية الشبهة فيه، فمن كان كذلك لا يجيء منه شئ.






وقد جاء في كتاب الله تعالى قوله سبحانه (ولقد
ذرأنا لجهنم كثيرا
ً من الجِنِّ
والإنس لهم قلوب
ٌ لا يفقهون بها ولهم
أعين
ٌ لا يُبصرون
بها ولهم آذان
ٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعامِ
بل هم أضل
ّ أولئك هم الغافلون)، وقال تعالى (قد أفلح من
زكاها وقد خاب من دساها).



ومن سِرِّ
كلام
ِ الحقِّ
تقد
ّسَتْ
أسماؤه وهو العليم الخبير، عرفنا أن
ّ مُجَرَّد
الص
ُحبة لا ينفع بل ننظر إذا رأينا للطالب الصاحب
قلبا
ً يفقه اللطائف وعيناً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زهير
عضو متالق
عضو متالق
avatar

ذكر عدد المساهمات : 9
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الخميس مايو 12, 2011 4:10 am

وطريقته العلية التي تُنسب إليه، ويدور مدارها المبارك
عليه، هي عند من يعرف سر الشرع الأنور، ويفهم لباب منهاج طريق القوم الأزهر، أقوم
طرق أهل الحقيقة على الحقيقة، وأقرب معاريج أرباب الطريقة إلى







بحبوحة الطريقة الحقيقة.





غير أن
أمر الدين الحنيفي يحتاج للتجديد لِما يطرأ من أولي الإهمال والجهالة عليه، ولما
يضيفه أرباب الأحقاد مما لم يكن منه إليه، يشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم
(إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).






هذا لما
يطرأ على الدين من موجبات التجديد ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
أنه كان يقول: أنتم اليوم في زمان
،
الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي
عليكم زمان يكون فيه العلم فيه تابعا للهوى. وقد صح عن سيدنا (عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما) أنه قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سُنّة وأحْيَوْا
بدعة حتى تموت السُنَن وتحيى البدع. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يظهر المنكر
والبدع حتى إذا غُير منها شئ قيل: غيرت السنة.






قلت:
وأطال في حديثه المبارك ثم قال: أكيَسُهم في ذلك الزمان الذي يروغ بدينه روغان
الثعالب، وفي سنة ثمانين وقد كان الحجاج الثقفي أميرا على العراق من قبل الأمويين
فقد كان سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ما أعرف شيئا كان على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا وقد غُير إلا شهادة أن لا إله إلا الله، قيل: فالصلاة؟
قال: أوليس قد أحدثوا في الصلاة ما علمتم، يعني تأخيرها والتثويب قبلها، وهو
السلام على الأمراء يضاهون به الإقامة فجعلوه كالسُنة.






قال الشعبي
طاب ثراه: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج لأن الحجاج ابتدع أشياء
أنكرها الناس عليه في زمانه وهي اليوم سُنن معروفة، وأعمال مستحسنة، يترحم الناس
على من أحدثها ويغبطونه ويحسبون أنه







مأجور عليها مشكور سعيه فيها ولا يعرفون أن الحجاج
أحدثها.






فهذه العوارض
تطرأ على أمر الدين ولذلك يحتاج إلى التجديد فبالأولى أن يطرأ مثل ذلك على حال وليّ
أفرغه في الأمة وامتزجت فيه العادات المستحسنة لحكمة، وبدت فيه الأسرار الربانية
لباعث، فذلك الحال الذي هو سنن الولي في طريقته يحتاج في كل آن للتجديد، والمجددون
من أهل العلم قليلون، ولا تزلق فترى من كثرت أتباعه وانتشرت أشياعه من المجددين،
كلا بل المجدد من ظهرت على يديه أسرار إحياء الس
ُنّة وإماتة البدعة، وشرفت أفعاله، وسلمت من الزيغ
أقواله، وصح بالاتباع المحمدي حاله.






قال شيخنا
إمام الصدّيقين في زمانه، حكيم الأولياء (السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه): كل
طريقة خالفت الشريعة فهي زندقة؛ فالطرق التي لم تشرق مناهجها بنور عِلمِ النبي صلى
الله عليه وسلم وعمله كلها باطلة، والطريق الحق، طريقه صلى الله عليه وسلم.






قال
أرواحنا لجنابه العظيم الفداء: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب
الله وسنة رسوله).



وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا).



وقال تعالى (وإن هذا صراطي مستقيما)، والصراط المستقيم
طريق المصطفى الأعظم صلى الله عليه وسلم وسُنّته.






وقد درج
على اتِّباعِهِ عليه الصلاة والسلام آله وأصحابه والقوم الخُلَّص من السلف الصالح،
ففازوا وغنموا؛ لأن من يعمل بسُنّته وحاله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.



وذلك لأن الله تعالى وعد من اهتدى بهديه عليه الصلاة
والسلام بإعطاء







زيادة الهُدى، فقال (والذين اهتدوا زادهم هدى)(17- محمد)
، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
)69- العنكبوت).





وقد طرأ
على طريق القوم ومن
هاجهم منذ قرون العجائب من الأقوال والعادات، حتى كادت تدخل عند الكثير من
أتباعهم في العبادات، وأقبحها والعياذ بالله تعالى القول بوحدة الوجود المطلقة،
والازدلاف عن وهم إلى مشارب أهل الحلول، والأخذ بالتبجح والشطحات ونسبة التأثير
إلى المخلوق استبداداً، وغير ذلك من المفاسد التي تضرُّ بالدين وتُدخل صاحبها في
زمرة المخذولين، ولا عدوان إلا على الظالمين.






وقد صان
الله تعالى طريقة سيدنا ومولانا (السيد أحمد الكبير الرفاعي) رضي الله عنه من هذه
المزالق، فهي إلى الآن لم توجد في أتباعه وأشياعه، ولا قال بها منهم قائل، لا من
كبارهم ولا من صغارهم.



وغاية ما نقمه عليهم الناقمون دخول بعضهم في النيران،
وركوب السباع، والضرب بالأسلحة القاطعة، وشرب السموم، والتسلق إلى المنارات
والنخيل وإلقاء الرجل نفسه إلى الأسفل، وشيوع ذلك في عامتهم وانهماكهم بمثل هذه
الأفعال، حتى غار لمثل هذه الخوارق الجليلة بعض الفقهاء، وإن لم يبلغوا مرتبة
الفقهاء الأحِقّاء، فأرادوا تحريفها وإسقاطها عن مرتبة الكرامة بدعوى أنها لم تصدر
عمّن لم يكن بنسبة أقيستهم ولياً يستحق الكرامة.



وقد غلطوا بتأويلاتهم وابتُلوا فيما يمزق حالهم من جهة
أخرى، فمن أولئك المتفقهة أناس صححوا اللسان وأمرضوا الجَنان، تزيَّنوا للناس في
الظواهر، وأفسدوا البواطن، وأعملوا الألسن بمذمّة المسلمين، وقادوا الناس لسوء
الظن بإخوانهم المؤمنين، ونسوا ما وجب عليهم من حقوق الله، وخالفوا فيما اقترفوه سُنن
السلف الصالح عليهم رضوان الله.







وآخرون كبر علمهم عن عقولهم فلم يُحسِنوا التصرف في
العلم، فخبطوا مع كثرة علمهم، وغلطوا ورفعوا بزفرة الدعوى أنفسَهم فسقطوا.



ومنهم أناس همهم الجعجعة بين العامة لجلب أنظار الرعاع
إليهم، وجمع الغوغاء من الأطراف والأوباش عليهم لغرض في النفس حالة كونهم لا حظ
لهم من الاتباع الصحيح، بل هم ساقطون في وهدة الحال الشين القبيح.



ومنهم من يتحكم حمقاً بالأحكام فيصرفها إلى غير ما أتت
به وله، يثبت منها ما أثبته، ويهمل ما أهمله. وما كل أولئك بفقهاء وإن شاع ذكر
بعضهم، والتفَّتْ عليهم المحافل، وجادلَ لهم المُجادل.



سأل فرقد رضي الله عنه الإمام (الحسن البصري رضي الله
عنه) في مسألة فأجابه، فقال له: يا أبا سعيد! إن الفقهاء يخالفونك، فقال: ثكلتك
أمك فُرَيقد، وهل رأيت بعينك فقيها؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في
الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف
عن أموالهم، الناصحُ لجماعتهم.






فأقول: إن
صدور الخوارق التي مرَّ ذِكْرُها على يد الرجل المنتمي لطريقة (سيدنا الإمام
الرفاعي) رضي الله عنه ، صالحاً كان أو لم يكن، لا يُعَدُّ ذلك كرامة له، وإنما هو
من إكرام الله تعالى لعبده ووليِّه (السيد أحمد الرفاعي) رضي الله عنه، هبة الله
له، وهي سارية جارية لا تنقطع بإذن الله، فإن الله سبحانه وتعالى إذا وهب ما
استرد.



نعم يعاتَب البعض ممن ينتمي للطريقة العليّة الرفاعية
على عدم التمسك كل التمسك بما كان عليه إمام الطريق رضي الله عنه، ويؤاخَذ لعدم
العلم بشأنه ومنهاجه، وسلوكه وآدابه، وحِكَمِهِ وأطواره وأخلاقه، وحلمه وتواضعه
وتحققه،







بالحال والشأن المحمديين، والغيرة على الشرع الشريف، ورِقّة
التعبير في النصيحة وإبذالها للمخلوقين جميعا، هذا مع إرادة النفع لكل الناس على
اختلاف أجناسهم ولغاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، ومعرفة المراتب والحدود والتحلي
بالوفاء بالعهود والوقوف عند الحدود.






ولغفول البعض عن هذه
الحقيقة أردت أن أخدم طريقه المبارك ومنهاجه السعيد بهذا الكتاب المستطاب، ليجدد
إن شاء الله لسُلاّك الطريق أحكامه، وليرفع في حضرات الحقائق الشرعية أعلامه.



وهو كتاب مع اختصاصه بالطريق الشريف الرفاعي لا يستغني
عنه عاقل من س
ُلاّك الطُرُق السائرة؛
فإن طريق القوم واحد كله إلى الله ورسوله عائد، فمن أراد سلوك
الطريق المحمدي الذي لا غبار عليه، وانتهاج المنهج الأحمدي الذي طارت قلوب أهل
الوجدان إليه، فعليه بهذا الكتاب المبارك، وليتخذه حرزاً وذخيرةً وكنزاً؛ ففيه
بعون الله إلى الحق الطريق الصواب، وإلى ساحة الوصول باب اتصال، ياله من باب،
والله الموفق المعين، وهو يتولى الصالحين.






وهنا سننص
على مراحل القوم إلى حضرة القدس مرحلة مرحلة، ليتضح الطريق إلى رُكبان الحقيقة، وسُلاك
الطريقة، وهذا هو الطريق، وإنما إثمه على الذين يبدلونه وحسبنا الله ونعم الوكيل.





أول
المراحل: القيام بأركان دين الإسلام الخمسة





وهي
الإتيان بالشهادتين المباركتين، والصلاة والصوم والزكاة وحج البيت إن استطاع
المؤمنُ إليه سبيلا.





أما النطق
بالشهادتين والإيمان بما انطوتا عليه فهو حصن الله الأكبر، وهو باب كل خير ديني
ودنيوي، ولا ينفع بغير الشهادتين عمل، ولا يتم للعبد







بسواهما من حضرات الحق أمل، وبهما يفرق بين المؤمن بالله
وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبين غيره، وكلمة
)لا إله إلا الله( نور القلب والسر، وكلمة (محمدٌ رسول الله) نور الوجه، ومعراج الروح إلى حظيرة
القدس، بهما الخروج من الظلمات إلى النور، والنجاة بعون الله يوم الحشر والنشور.






ففي (لا
إله إلا الله)،
القول بوحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد، ألا وهو الله
الذي لا إله إلا هو الذي لا شريك له، ولا نظير له، ولا ندَّ له، ولا ضدَّ له، الذي
يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير.



والتوحيد قد عَرَّفه سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه
وعنّا به فقال: هو وجدان تعظيم في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه.



والبراهين على التوحيد قائمة في كل شئ، وبادية من كل شئ،
لا يجهلها إلا من سفه نفسه.






وفي قول (محمد
رسول الله)،
نَشْرٌ لِلِواءِ التصديق لمُعَلِّم الخير، المُبَلِّغ الأعظم،
على رأس المُتََبِّع المؤمن المطيع، لتحصل له الولاية العامة من رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما في قوله تعالى (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وبدوام
الذكر طمأنينة القلب، وحسن الذكر في الملأ الأعلى.



وبكثرة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم،
بركة الامتثال لأمر الله، والموافقة لله ولملائكته عليهم السلام، ونور القلب
والوجه، والصلاة من الله على العبد، وهي الرحمة المحيطة التي تجيز، بإذن الله، العبدَ
على الصراط، وتحسُن بها العاقبة إن شاء الله تعالى.






وحيث حصل
التنبيه على قول (لا إله إلا الله) فقد لزم أن نذكر شيئاً مما يتعلق بالذكر. عن
أبي رزين رضي الله عنه أنه قال: قال له رسول الله







صلى الله عليه وسلم: (ألا أدُلُّك على ملاك هذا الأمر
الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ فعليك بمجالس الذكر، وإذا خلوت فحرِّك لسانك ما
استطعت بذكر الله، وأحب في الله، وأبغض في الله يا أبا رزين، هل شعرت أن الرجل إذا
خرج من بيته زائراً أخاه شيَّعه سبعون ألف ملك كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا وصل
فيك فصِلهُ، فإن استطعتَ أن تعمل بجسدك في ذلك فافعل).



قلت: قال الله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا)،
ومن مفهوم هذه الآية الكريمة، ومن مفهوم قول الله تعالى (قل الله ثم ذرهم في خوضهم
يلعبون)، أخذ القوم بنص "الله" أو "يا الله"، والذكر الأتم
الذي يشتمل على أحكام العلم هو الذكر بنص "لا إله إلا الله".



قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم (كل كلام ابن آدم عليه لا
له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله)، وقد أجمع أهل العلم أن الصحابة
والتابعين رضي الله عنهم كان شغلهم في خمسة أشياء، قراءة القرآن، وعمارة المساجد،
وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.



وعن عمارة بن صياد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سمعه يقول
في الباقيات الصالحات: ( أنها قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا
إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وأسند النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (استكثروا من الباقيات الصالحات)،
قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال (التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا
قوة إلا بالله).



وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء (عليك
بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يحططن الخطايا كما تحط
الشجرة







ورقها)، وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل ما قلتُ أنا
والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وقال سبحانه (فاذكروني أذكركم).



وفي الحديث القدسي (من ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خير
منه)، وفي هذا المقدار لمن يعتبر في فضل الذكر كفاية.






وأما الصلاة،
فهي بعد الإيمان بالله تعالى أشرف العبادات، وأجل
ّ الطاعات، وهي عماد الدين، قال صلى الله عليه وسلم
(الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين)، وقد
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له : لم
تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال (أفلا أكون عبداً شكورا).



وإنما الصلاة شُرِّعَت شُكراً لنعمة البدن، وما يصل إليه
من المِنَن، ويُدفع عنه من النوائبِ والمِحن، ولما استقر في السر من نعمة الإيمان،
ونور الإذعان والإيقان، ومحو ظُلمة السوء والبطلان، والكفر والظلم والعدوان، فتكون
حينئذ الصلاة شكراً لأنعم الله الظاهرة والباطنة، وبالشكر تدوم النعم وتندفع الظُلَم.



قال الله تعالى (أقم الصلاة طرفيّ النهارِ وزُلَفاً
من الليل إن الحسناتِ يُذهبن السيئاتِ ذلك ذكرى للذاكرين)، وقال تعالى (اتل ما
أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وقال المفسر
الأعظم صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمُنكر
لم يزدد من الله إلا بُعدا).



وقال شيخ الطريق، وصدر التابعين الإمام الحسن البصري،
ومثله قال قتادة رضي الله عنهما: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست
صلاته بصلاة، وهي وبالٌ عليه، ألا ترى أن الآية الكريمة صدرت (بإنّ) للتحقيق







والصلاة جاءت مُعَرَّفَة؟ أي على التحقيق لا مُحالة،
الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمُنكر. وتدَبَّر، فإن الله تعالى أوجب على عبده
الصلاةَ ومنعه عند أدائها عن الأكل والشرب، والكلام والحركة والسكون الذين ليسا من
أجزاء الصلاة، وأمره باستقبال القِبلة التي ارتضاها لمناجاته وجهةً، ولمحاضرتِهِ
طريقا، ومنعِهِ عن الإلتفات في الصلاة إلى غيره، بل أمره بالتوجُّه إليه في ظاهرهِ
وباطنه، ليولّي وجهة قلبه ووجهه إلى وجه الله، كما قال تعالى (فأينما تولّوا فثَمَّ
وجهُ الله).



فيكمل حال صدقه،
ويتم صدق حاله، ويستعد لمحاضرة ربه، ويزداد يقيناً بوعد ربه ووعيده، ويجاهد في
الله بكلِّهِ، وهنالك يكون الحظ الأوفر من سِرِّ قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا
لنهدينَّهم سُبُلنا)، فتحِفُّه أنوارُ الهداية بباطنه وظاهره، ويكون مع الأنبياء
والأولياء والصالحين مُنَعَّماً إن شاء الله في الجنة بالنظر إلى وجهه الكريم.






والحُكم
في الصلاة إقامتها على نص أحد المذاهب الأربعة المتبعة في الإسلام؛ فإن الله جمع
كلمة المسلمين على المذاهب الأربعة، أعني مذهب إمامنا الشافعي، والإمام أبي حنيفة،
والإمام مالك، والإمام أحمد، وكلهم على هدى حملوا لنا شريعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وأحاطوا بأكثر أسرارِها وأحكامِها، فاجتمعت براهينُ الشريعةِ وأحكامُ
أصولها وفروعها في مذاهبهم، وهم أعلم ممن بعدهم بنصوص الشريعة، وفصول السُنّة
السُنِّية، ودقائق الأحكام الدينية.



ولم يُنقل عنهم نص أصلي أو فرعي إلا وهو من لباب
شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفلسفُ بعد تنقيح أحكام الشرعِ الشريف وجمعها
في هذه المذاهب الأربعة والازدلاف إلى الرأي من تزيين الشيطان،







ولا ينفع زعم الأخذ بالحديث الشريف كما ذهب إلى ذلك بعض
الطلاب وذلك لنقصٍ في العلم، ولعدم الإحاطة الكاملة في الأسانيد ومعرفة الرواة
وأخبارهم، ولعدم التبحُّر في تفسير كلام الله كل التبحُّر مع الوقوف المحيط على
عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وكل المعرفة بأسرار أعماله واختلاف مشارب الصحابة
ومذاهبهم وأذواقهم فيما كان من ذلك فرعاً أو أصلا.



فقد
يعدل الصحابي عن العمل بقولٍ صحيح ويعمل بعملٍ صحيحٍ رآه من الحبيب المليح صلى
الله عليه وسلم، وهذا لا يكون من قبيل المباينة بين القول والعمل، بل هو من قبيل
التوسعة في الدين، قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج).



ولهذا جاء
(اختلاف أمَّتي رحمة) والاختلاف ما هو بالخلاف، فليحفظ.






ومن أسرار
الصلاة تكرّرها في اليوم والليلة خمس مرات لتتواصل أنوار المحاضرة مع الله في
القلب، فيذكر العبد موقفه بين يديّ ربه وقيامه لديه مسؤولاً عما أسرَّ وأعلن،
وهنالك لا يظلم بين الصلاتين أحداً، ولا يعدو على أحد، ولا يحتقر أحداً، ولا يطمع
فيما لا يجوز له به الطمع، ولا يكذب ولا يخون ولا يُهين أحداً من المخلوقين، ولا
يغفل عن الله فيطغى، ويرى الآخرة خيراً من الأولى، ويجعل أعماله لله ولنفع عباد
الله، فيأتي حينئذٍ بالصلاة المعرفة المرْضية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومتى
انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد صلّى الصلاة التي افترضها الله عليه، وجاء بالركن
الأعظم بعد الإيمان من أركان الإسلام.






وليعلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم)، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في







ثلاثة أوقات، عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى
تزول، وعند تضيّفها للغروب حتى تغرب، وقال عليه الصلاة والسلام (ما من امرئٍ مسلم
تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفّارة لما قبلها من
الذنوب ما لم يأت كبيرة)، والإحسان في الوضوء أن يأتي بجميع فرائضه وسننه وآدابه
كما نصّ في مذهبه الذي يتمذهب به.



ولهذا
السرّ يجب عليه التعلم من علماء مذهبه أحكام صلاته ووضوئه، وأن يتفقه عليهم بأمر
دينه حتى يكون مهبطاً للخير الإلهي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يُرِد
الله به خيراً يفقهه في الدين)، ومتى حصلت له بركة الفقه في الدين، قامت به الخشية
من الله، وظهر في كُلِّه الخشوعُ لله، وعرف رتبة المحاضرة في مقام العبادة مع
الله.



قال صلى
الله عليه وسلم (إنما الصلاة تمَسْكُنٌ وتواضعٌ وتضرُّع)، ورأى عليه الصلاة
والسلام رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال، أرواحنا لجنابه المحمدي الفداء، (لو
خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وفي الخبر الشريف (لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يحضر
فيها قلبه مع بدنه)، وقال عليه الصلاة والسلام (إن الله مُقبلٌ على المُصلّي ما لم
يلتفت)، أي ما لم يلتفت إلى أمور الدنيا فيشغل قلبه بالدار والجار والمرأة
والدينار وأشباه ذلك.



وإلاّ فالتفاتُهُ إلى أمور الآخرة والتفكُّرِ
بأحوالها والاعتبار بعالم الأرواح والملائكة وسيرة النبيّين وصلاتهم وخشوعهم
وأحوالهم، لا يكون مُنكَرا، يدُلُّك على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (من صلّى
ركعتين لم يًحَدِّث فيهما نفسَه بشئ من الدنيا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه).



وذهب
بعض الأئمة الأجِلاّء رضي الله عنهم إلى أن أنين العبد وبكاءه







ولو بصوتٍ عالٍ في الصلاة إذا كان من ذكر الجنة أو النار
أو من خشية الله لا يكون كل ذلك مُفسِداً للصلاة؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع لله
والخشية منه تعالت قدرته، وإلا إذا كان ذلك بسبب وجعٍ أو مصيبةٍ أو أمرٍ من أمور
الدنيا فإنه يُفسد الصلاة.



ويجب
تدارك حفظ القلب في الصلاة من الخواطر الدنيوية الشاغلة عن الخشية لله والتقرُّب
منه، ولا يمكن ذلك إلا بذكر الموت، ودوام ملاحظة القدوم على الله تعالى، واستحقار
الدنيا وزينتَها، والتجرُّد بالكُلِّية عنها حالة المحاضرة مع الله سبحانه وتعالى.






وأما الزكاة،
فهي من أفضل الصدقات، ولها أسرار
ٌ كثيرة، وبركاتٌ وفيرة، قال الله تعالى (مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل
الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كلِّ سنبُلةٍ مائة حبة والله يضاعِفُ لمن
يشاء والله واسع عليم)، وقال تعالى (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبعون
ما أنفقوا مَنّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).



ومثلُ
هذه الآيات الكريمة يشملُ الزكاةَ وغيرَها من الصدقات، وأشرف الصدقات وأجلّها وأتمّها
قُبولاً الزكاة. وإنمّا شُرِّعَتْ الزكاةُ لدفعِ حاجةَ الفقراء والمساكين لئلا
يشغلهم الفقرُ عمّا خُلقوا له من العبادة لله تعالى.



وهي بنصابها المقرَّر شرعاً ضربةُ لازب، لا بد
للمسلم من إيتائها فإن الله تعالى لم يأمر بالصلاة إلا وألحق الأمر بعدها بالزكاة
على الغالب إعظاماً لشأنِ الزكاة.



ومن أسرارِها الحثُّ على الكسبِ من الحلال والإنفاقِ من
الحلال على النفس وعلى الغير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على كل مسلم
صدقة)،







قالوا: فإن لم يجد؟ قال (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)
قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال (فيُعين ذا الحاجة والملهوف)، قالوا: فإن لم
يفعل؟ قال (فيأمر بالخير)، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال (فيمسك عن الشر فإنه له صدقة).



وعن
ابن عباس رضي الله عنهما، جعل الله صدقة السر في التطوع أفضل من علانيتها، وجعل
صدقة الفريضة، أعني الزكاة، علانيتُها أفضل من سرها. ففضَّلَ علانيةَ صدقة الزكاة
ليعلم القائم بهذه الفريضة، وليقتدي به غيره، ولتعلن كلمة الله في الفرائض، فتقوم
بها عصائب المسلمين إعظاماً للحُكم، وفي ذلك من المنافع مادةً ومعنى ما لا يخفى
على درب له شمّةٌ من علم الشريعة المطهرة.



وقد عرفتَ أيها المُحِب أن الإسرار في
النوافل كلها، والإعلان في الفرائض كلها من آداب الشرع الشريف، فاجعل تلك القاعدة
دستورا لأعمالك،
واعمل لله، وابذل في الله، وانفع نفسك وغيرك فيما يُرضي
الله يحصل لك الرضاءَ من الله والمددَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغدو في
أمان الله والحمد لله رب العالمين.






وأما الصوم،
فقد شُرِّعَ لقهرِ النفس الحيوانية، وإخماد ثائرتِها الشهوانية، وأنموذجاً عن
التساوي الأخرَويّ بين الناس، كبارها وصغارها.



وفيه حثٌّ أيضاً على الكسبِ الحلال، والبذلِ الحلال؛ فإن
الصائم يحب أن يوسِّع في رمضان على أهله وعيالِهِ ونفسه، وأن يتصدّق على الفقراء،
ولا يُقبَل ذلك إلا من مالٍ حلال.



ومن هذا السر تفهم أنّ الشرعَ حثّكَ على العملِ الصالح،
وجمْعِ المال من الطريقِ الحلال، واستهلاكه في الطريق الحلال، وخير الصيام صيامُ
رمضان لكونه من فرائضِ الله، وبعده فلا
حرج في الدين.







ومن أسرار الصوم، صَونِ القلب والجوارح ليكمل للصائم
العمل الصالح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يترك قولَ الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يترك طعامَه وشرابه)، وقال عليه الصلاة والسلام (خمس يفطِّرْنَ
الصائم، الغيبة والكذب والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة)، ومعنى قوله عليه
الصلاة والسلام (يُفطِّرْن)، أي يُفسِدْن، يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (كم
من صائمٍ ليس له من صومِه إلا الجوع والعطش).



ومن
أسرار الصوم عند الصِدِّيقين، رفعُ الحُجُبِ عن القلب، وطردُ الشيطان، فينظر
الصائم العارف بعين قلبه إلى ملكوت السماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لولا أن الشياطينَ يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء)، وتفسيرا
لسِرِّ هذا المعنى الكريم قال عليه الصلاة والسلام (لا يدخل ملكوت السماء من ملأ
بطنه)، أي لا يدخل بهِمَّتِه وصحيح فكرته، ولا يرى ببصيرته حقائق ملكوت السماء
لحجاب الشَبَع.



وهذا
الأدبُ جارٍ في أيام الصوم وغيره، أعني عدم الشبع، فلا يملأ الحكيمُ العاقلُ بطنَه،
فإنه شرُّ وعاء يملأه. وقد علمنا أن الصائم العارف يسعى لتزييد المال الحلال، من
الطريق الحلال، وينفع بماله الفقراء وذوي الحاجات، ولا يسيء أحداً لا بيده ولا
بلسانه، ويكون نفعاً عاما، فتراه كالغيث، أين وقع نفع، وكذلك أهل الإيمان والله
المستعان.






وأما الحج،
فشرطه ال
إستطاعة، قال الله
تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت
يهودياً أو نصرانيا)، يعني إذا ملك الزاد له ولعياله، إن كان ذا عيال، والراحلة،
ولم يكن له حائل يمنعه عن







بيت الله، لا في نفسه ولا في حاله، وتقاعدَ عمداً عن
الحج فقد وقع في خطر الحديث الشريف.



ومن
آداب الحج، أن يتوب المرء حالة تأهبه للحج، وأن يقضي ديونه، ويُرضي خصومه، وأن
يتخذ رفيقاً صالحاً للطريق، وأن يوسِّعَ في طعامه وشرابه في الطريق، ويُليِّنَ
الكلامَ مع المكاري والخادم إن كان له ذلك، وأن يرفق بالدابة؛ فلا يُحَمِّلها ما
لا تطيق أويصعِّبَ عليها، وأن لا يتجاوز الحدَّ المعروفَ بزينة اللباس، وأن يترك
فضول الكلام، وأن يُكثِر من تلاوة القرآن، وإن لم يكن قارئاً فليُكثِر من تلاوة
فاتحة الكتاب، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يذكُرَ اللهَ
كثيرا.



وعليه
أن يتفكَّرَ ويتدبَّر في حِكَم الحج، فإن منها الحث على اقتناء المال الحلال،
ومنها التعارف مع الإخوان، والوقوف على أحوال الشعوب والقبائل وصنوف الأمة في
الأصقاع البعيدة، فيتعلم ما يَحسُن، ويتباعد عما يقبح، وينتصر للمظلوم، ويقتدي
بالصالحين، وتعلو في الله همته، فيعْلَمَ العلم اليقين أن حفلة الدين لا تقوم إلا
بالأمن والأمان وراحة البال وطيب المال وقوة الرجال، ويرى قيام الصفوف في الله،
فيعمل مع الجماعة لا يشذ عن إخوانه المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم قال (يد
الله مع الجماعة) الحديث.



فلا يخالف
سواد المسلمين شاذّاً مُبتدعاً، ولا زالاًّ مُلحدا، ولا ينقُض عهداً، ولا يشُقَّ
العصا، ولا يندمج فيمن عصى، يكون بما يكسبه إياه نظره من العبرة في صف الذين
يتعاونون على البر والتقوى، ولا ينخرط في صف أُناسٍ يتعاونون على الإثم والعدوان،
يترك الهجر والهُجر، ويعمل بالخير والبر.



ومن حِكَمِه
العالية، أعني الحج، أن الله تعالى جعله رهبانية لأمة محمد صلى الله







عليه وسلم، وجعل سفَرَهُ مِثالاً لسفِرِ الآخرة، فيتذكر
الحاج في سفره ووداع أهله وداع الأهل في سكرات الموت، ويتذكر من مفارقة الوطن
الخروج من الدنيا، ومن التفافه بالإحرام الالتفاف بالكفن، وهنالك يكون مُتنبِّهاً
يقِظاً، لا يظلم ولا يطغى ولا يتكبر، ولا يرى له على غيره مَزِيَّة، ويُعرض عن
الدنيا الدَنِيَّة بقلبه وكلِّه، ويجمعها من الحلال ليُنفقها في الله ذريعة يتخذها
للنجاة في يوم العرض على المَلِك الدَيَّان، إذا قَدِمَ عليه عارياً أشعثَ أغبر،
لا فرق بينه وبين عبده يتطلب فضل الله، ويترقَّب رحمة الله، ولا حول ولا قوة إلا
بالله.




وفي هذه الأركان الكريمة، فعلى المسلم أن يتعلم من
علماء مذهبه الذي يتمذهب به أحكامها وفرائض الأعمال المُنضمَّة بها،
والسُنَن المُندمِجة فيها، وأن يُخلِصَ في أعماله، ويجمع بين صحيحِ حالِه وصادقِ مقالِه، وأن يُنزِّهَ نفسَه عن
النقائص، ويتحلّى بأشرف الخصائص، ويتحقق بالإخلاص المحض، ألا لله الدين الخالص.




مرحلة
الصحبة





هي من أجلّ
عقبات الطريق وأصعبها وأسهلها، صعبة سهلة يعرف الأمرين فيها أهل العرفان، وأرباب
الذوق الطاهر والوجدان ولا بدع، فإن آداب الصحبة كثيرة، أساسها التوبة ثم التحقق
بحال الأستاذ في كل حال، والتخلق بأخلاقه، والعمل بأعماله، والقول بأقواله، ولذلك
لا تصح صحبة من لم يكن كاملا
ً عارفاً
فاضلا
ً كبيراً
في طريق الحق، متمس
ِّكاً
بالس
ُنّة
المحمدية، والسيرة المصطفوي
ّة، مُبَرّأ
من الزيغ والابتداع، شريف الخلال، طاهر الطباع، ليكون قدوة
ً
لمن يصحبه، وللصحبة آثار
.


وقد جاء في الخبر عن النبي الأبرّ
صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله







فلينظر
أحدكم من يخالل).



ومن أعظم آداب الصحبة، صحة الاتباع بحُسْنِ
الظن للأستاذ، وال
إستسلام لحكمته، والأخذ
بعقيدته بعد التحقق بأنه على الس
ُنّة
ال
ُسنّية لم
يبرح، معتقدا
ً ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وآله وأصحابه والتابعون، نفعنا الله تعالى والمسلمين بشريف أنفاسهم وجليل نفحاتهم،
ودائم بركاتهم.






وقد يصحبُ
الخب
ُّ السيئُ
الظن
ِّ العارفَ
الكامل
َ المحمديّ،
ولكن يصحبه بقلب
ٍ فاسد، وعينٍ
منتقدة، وظن
ٍّ قبيحٍ
سيئ، فلا يزداد بصحبته إلا ب
ُعداً
عن الله، وعداوة
ً للحق وأهله.





وقد يصحب البرُّ
الكريم
ُ الرجلَ
الصالح
َ، الذي لم يبلغ مرتبته ذلك العارف المحمديّ،
ولكن يصحبه بقلب
ٍ سليمٍ
وني
ّةٍ طاهرةٍ
واعتقاد
ٍ جيّد وظنٍّ
حسن، فلم يبرح حتى يفتح الله عليه، وينتظم ببركة ني
َّتِهِ
وطهارة
ِ قلبه، وحسنِ
اعتقاده في عداد الصالحين الواصلين، وكذلك جرت عادة الله، ولا إله إلا الله.






وعلى هذا، فمن أهم الواجبات على الصاحب السالك
أن ي
ُحْسِنَ
الظن
َّ بأستاذه، ويعتقد به الخير والصلاح، وأن لا
يتطرق بالنزغة الإبليسية الشبهة فيه، فمن كان كذلك لا يجيء منه شئ.






وقد جاء في كتاب الله تعالى قوله سبحانه (ولقد
ذرأنا لجهنم كثيرا
ً من الجِنِّ
والإنس لهم قلوب
ٌ لا يفقهون بها ولهم
أعين
ٌ لا يُبصرون
بها ولهم آذان
ٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعامِ
بل هم أضل
ّ أولئك هم الغافلون)، وقال تعالى (قد أفلح من
زكاها وقد خاب من دساها).



ومن سِرِّ
كلام
ِ الحقِّ
تقد
ّسَتْ
أسماؤه وهو العليم الخبير، عرفنا أن
ّ مُجَرَّد
الص
ُحبة لا ينفع بل ننظر إذا رأينا للطالب الصاحب
قلبا
ً يفقه اللطائف وعيناً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوصفاءالدين السلطان
مؤسس الشبكة ومن كبار الشخصيات
مؤسس الشبكة ومن كبار الشخصيات
avatar

وسام التميز :
ذكر عدد المساهمات : 1858
مرشد*مريد*مداح : مداح

خدمات المنتدى
مشاركة الموضوع:
الاعجاب بموقع الرفاعيه:

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة مايو 13, 2011 6:07 pm

جزاك الله اخي زهير على حسن انتقاءالمواضيع المميزه بارك الله بك

عليك الرد جميع الروابط مخفيه
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smrxxl.yoo7.com
زهير
عضو متالق
عضو متالق
avatar

ذكر عدد المساهمات : 9
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   السبت مايو 21, 2011 12:00 am

تُبصرُ العوارف، وأُذُناً تسمع المعارف، وسِرَّاً ليس بغافل، ونفساً مُزَكّاة بالأخلاق النفيسة، غير مُضَمَّخة بلوث الدسيسة، هنالك نعتقد أنه سيُفتح عليه بإذن الله، وسيصل إلى حضرة القرب، ويندمج في أهل مرتبة الحب، ويصير له حصة عظيمة من مائدة القلب، وإن كان كما جاء في النص، له قلبٌ ولكن لا يفقه، وعينٌ ولكن لا تُبصر، وأُذُنٌ ولكن لا تسمع، فما هو إلا كالأنعام، بل هو أضلّ، وهو سمير الغفلة في خَيبةِ دسيسته والعياذ بالله تعالى، والله ولي المتقين.

وهنا نكتة لطيفة، وتلك أن انحجاب القلب عن الفقه بالله، وانحجاب العين عن رؤية ما يُعتبر به من أسرار الله، وانحجاب الأذن عن سماع الكلام الذي يدل على الله، إنما كل ذلك من ظُلمة الكفر والعياذ بالله، وفي أهل الحجاب من المؤمنين، إنما يكون من حب الدنيا والإنهماك بها والإنكباب على جيفتها، وذلك أيضاً من حُمْقٍ في النفس وغفلةٍ في السِرّ.
قال صلى الله عليه وسلم (الكيِّسُ مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله)، وقال عليه الصلاة والسلام (من أصبح والدنيا أكبر همِّه فليس من الله في شئ، وألزم الله قلبه أربع خصال، هَمّاً لا ينقطعُ عنه أبدا، وشُغلاً لا يتفرغ منه أبدا، وفقراً لا يبلغ غناه أبدا، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبدا).

وقد أجمع أهل الحضرة الكبرى من أهل الله على أن المعاني يُقام لها صور في الآخرة لإقامة الحجة، وهذا من باهر العدل الإلهي، لتبيض وجوه وتسود وجوه، قال صلى الله عليه وسلم (يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوزٍ شمطاء زرقاء، أنيابها بادية، مُشَوّهٌ خَلقُها، فتشرف على الخلائق، فيُقال: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من هذه، فيُقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها وبها

تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واعتززتم، ثم تُقذف في جهنم فتنادي: أي رب، أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله تعالى: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها).
فمن هذا الحديث الشريف، يعرف الحكيم اللبيب أن التفاخر والتقاطع والتحاسد والتباغض، والتعزز والتكبر والحرص والكذب والمعاصي القبيحة، والعيوب الفادحة كلها تنشأ من حب الدنيا، ومن ابتلي بحب الدنيا وزلَّ عن طلب الآخرة، يرى العِبرةَ بعينه وكأنه ما رآها، ويسمعُ النصيحةَ وكأنه ما سمعها، وتلقى إلى قلبه الحكمة فلم يفقهها، وهنالك من يصحب الصالحين والحكماء الربانيين وكأنهم لم يرهم، ويقوم أمام الوليّ الصفيّ العارف المحمدي وعينه عنه في عمى مطلق، وأذنه عن سماع كلامه في صممٍ مُطلق.
ومثل ذلك المحجوب المردود الذي لعبت بقلبه، وعبثت بلُبِّهِ محبةُ الدنيا، من أين ينتفع بصحبة الصالحين، وعباد الله المقربين؟ ومن أين له قلبٌ يفقه حِكَمَهم؟ وأُذُن تعي لطائف إشاراتهم؟ وعينٌ تُبصرُ أطوارهم وأحوالهم؟ وتعتبر برقائقها، وتأخذ الحصة الواجبة من حقائقها، شتّان بين الظلماتِ والنور، شتّان بين الظِل والحَرور.

وعلى هذا، فيجب على من يصحب القوم أن يتنبه ويعي ويفقه، وكل ذلك بالتجرد عن الغفلة، والإنسلاخ قلباً عن حب الدنيا، ولا يضرُّ العبدَ أن الدنيا ملء يديه إذا لم تكن في قلبه، بل جاء في الخبر عن النبي الأطهر صلى الله عليه وسلم (ليس الرجل رجل الدنيا أو رجل الآخرة، بل الرجل رجلهما).
وكذلك فهذا المعنى الأقدس يدل عليه قوله تعالى (ربنا آتنا في الدنيا حسنةُ وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النار)، والحسنةُ في الدنيا العيشةُ الراضية التي تَعْذب بالعملِ الصالح والعيشِ الرغد، والحسنةُ في الآخرة النظرُ إلى وجه الله

الكريم في الجنة، وقال آخرون: الحسنة في الدنيا محبة سيدنا محمد وآله، والحسنةُ في الآخرة المغفرة والرِضا من الله تعالى.

وقد رأى العارفون الصُحْبة أول قنطرة يعبر منها السالك إلى حضرة الحق، لأنها تبدل خُلُقَ السالك السيئ بالحسن، وتفرغ فيه جذوة الحال ، فتصلح بإذن الله كلِّهِ، قال تعالى (وكونوا مع الصادقين)، أعني الذين لم يشب إيمانهم بظلم، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقفوا مع الحق وتخلَّصوا من ربقة الباطل ورجعوا بكلِّهم إلى الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن تشبّه بقومٍ فهو منهم، ومن أحب قوماً حُشِرَ معهم.

وقد دللنا العاقل على الباب الذي يدخل منه في مقام الصحبة إلى بحبوحة النفع والسعادة والسلامة وهو ترك حب الدنيا، ومن تخلّص من محبة الدنيا فقد أخلص المحبة لله ولأهل الله، وحينئذ ينتفع بصحبة من تحصل له صحبته من الصالحين، والله المعين.

مرحلة لذة العلم بالله تعالى
لا يخفى أن أعظم لذات العارفين العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وأعظم لذات المحجوبين، لذة الرياسة ولذة الجماع، فالإنسان يشارك البهائم والطيور في إدراك لذة الجماع والرياسة وحبهما، حتى أن الإنسان الأحمق البليد الذي لا يرتفع إلى النظريات، ولا يدرك المعقولات، يدرك لذة الجماع والرياسة ويحبهما، بل ربما بذل روحه في تحصيلهما، فإذن، لا يمتاز بذلك عن سائر الحيوانات ولا يفضلها، ولهذه الحكمة قال تعالى في أهل هذا الوصف (أولئك كالأنعام بل هم أضل)، وفي الخبر الشريف (القردة والخنازير أعقل عند الله ممن عصاه).

ولا تحصل الفضيلة للإنسان إلا بإدراك لذة العلم بالله تعالى وصفاته

وأفعاله وحبه، وذلك دليلٌ على سلامة عقل المرء وقلبه، وإلا فالقلب السقيم لا يدرك صاحبه لذة العلم بالله، ومن كان قلبه سقيماً بالغفلة عن الله فكأنه لا قلب له، قال الله تعالى (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) الآية. وإن سقيم القلب لا يدرك لذة محبة الله تعالى ولذة العلم به إلا كما يدرك العنين لذة الجماع، ولذلك ترى العنين الذي لا يلتذ بالجماع كثير الحرص على الرياسة جمع المال، كيف كان. لأن همته تنتبه، وعزيمته لم تتوجه إلى اللذات الأخرويّة واللطائف المعنوية الشريفة النافعة الكاملة، بل هي منصرفة من لذة خسيسة إلى أخرى خسيسة، وما ذلك إلا من سقم القلب والعياذ بالله تعالى.
وهنا سر لطيف، وذلك أن دواء سقم القلب التنبه بذكر الموت، واستنقاذ القلب بذلك من الغفلة، فيقصِّرُ العبدُ أملَهُ في الدنيا، ويزهد بها ويرغب عنها بقلبه لا هادماً لها ولا مُنقطعاً عنها، وعمّا يرجع إليه ولعياله منها بل يكتسب الحلال الطيب، ويسعى ليدفع البؤس والضنك عن أهله وعياله، السعي المرْضيّ الذي لا يضره في دينه، ولا يبخسه بضاعة قلبه، فيُطيل أمله في الدنيا، ويحجب والعياذ بالله قلبه عن الأخرى، فإن ذلك الحجاب من البلاء الذي يهدم أمرَيّ العبد في آخرته ودنياه، ونعوذ بعزّة الله.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال (هل منكم من يريد أن يُذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا؟) قالوا: بلى. قال (ألا إنه من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك، ومن زهد في الدنيا وقصُرَ أملُهُ فيها أعطاه الله عِلْماَ بغير تعلُّم، وهدى بغير هداية قلب).

والخروج عن حب الدنيا، وطلب الرياسة فيها، والقهر للنفس بالمخالفات، والإنحطاط عن منصات الدعاوى بالكلية، هو المشرب الخاص (للإمام السيد

أحمد الرفاعي) رضي الله عنه وأرضاه، وقد أقام ركن طريقه المبارك على ذلك، فمن أراد الإلتحاق بجنابه، والتأدُّب بآدابه، فلينبه قلبه بالزُهد وقِصر الأمل في الدنيا، ليضيء قلبه بنور العلم بالله تعالى، وليكون من القوم الذين طابوا بالله، وتوكلوا عليه، لا يرون للدنيا قدْراً في قلوبهم إن أقبلت، ولا تنزعج لها هممهم إن أدبرت، دأبهم الرضا من الله وعن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مرحلة الجوع
وهي ترك الشره على الطعام وتقليله،لا الجوع المفرط الذي يضر بالمزاج، ولا الشره على الطعام الذي يفسد نظام المعدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضلكم عند الله تعالى أطولكم جوعا وتفكُّرا، وأبغضكم إلى الله تعالى كل أكولٍ نؤوم شروب)، وفي الخبر الشريف (الفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة)، وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل الناس مَن قَلَّ طعامه وضحكه، ورضي بما يستر به عورته)، وفي الحديث الشريف أيضا (من شبع ونام قسا قلبه).
ولا بدع؛ فإن كثرة الأكل تورث كثرة النوم، وكثرة النوم تورث البلادة والبطاءة والبطالة، وقال عليه الصلاة والسلام (أحيوا قلوبكم بقلة الضحك، وطهروها بالجوع، تصفو وترق).
قلت: وذلك لأن عدم الشبع يسكن زفرة النفس، ويجعلها متذللة لله تعالى، ويزيل بطرها وطغيانها، ولا يكسر النفس شئ كالجوع.

وقد عرضت الدنيا وخزائنها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال (لا، أجوع يوماً وأشبع يوما، فإذا جُعْتُ صبرت وتضرَّعت، وإذا شبعت حمدت وشكرت)، وقال عليه الصلاة والسلام (جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله)، وقال صلى الله عليه وسلم (إذا

أحبَّ الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه)، فإذا تضرع العبد اختياراً يكون أكمل ممن يتضرع اضطرارا، على أنه تعرَّف لربه في الرخاء، وقد وعد سبحانه بأن من يتعرَّف إليه في الرخاء يتعرَّف إليه في الشِدة.
جاء في الخبر عن النبي الأطهر الأبرّ صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيِّقوا مجاريه بالجوع والعطش).
ولتعلم أيها المُحب، أن كل ما جاء في أخبار الجوع والعطش لا يشير إلى الإفراط فيهما، بل القصد منه كله عدم الشبع والميل في ذلك إلى طرف الجوع وعدم الريِّ التام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جُزءٌ من النبوة).
هذا هو المقصود عند الشارع الأعظم، حكيم الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين، لا أن يجوع المرءُ ويعطش حتى تتألم نفسه، أو يعتلَّ مِزاجُهُ، فيُمرِضُهُ ذلك ويُضعِفُ دماغه، فذلك حرامٌ البَتَّة، والنفس مَطِيَّة المرء كما ورد في الحديث، وقد أمر كل امرئ بوقاية نفسه، ويدلُّك على مُراد الشارع قوله صلى الله عليه وسلم (طعامُ الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاث كافي الأربعة)، وفي رواية أخرى (طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية).
واختلافُ المقاديرِ في هذه الأحاديث الشريفة لاختلاف الأشخاص والطبائع، فالمقدار القليل النافع من الطعام في حق كل أحد هو ما يكون دون الشبع، فلا يُمرضُ الجوعُ الرجل، ولا يُخرجه عن اعتدال مِزاجه ويُضعف قِواه، ولا يُزحزِحُهُ عن صحته، ولا يعرض حواسه للأذى، ولا عقله للنقصان، فذلك حرام.
ومِثلُهُ الشبع المُبطِر الذي يورِثُ كَثرةَ النومِ والبلاهةِ والبلادةِ والبطالة

والبطاءة، ويقوّي الشهوة، ويرفع على القلب حُجُب الغفلة، ويمنع القلب أن ينظر إلى ملكوت السماوات والأرض.

وليس القلب الذي ينظر إلى الملكوت هو الجسم الصنوبريّ الذي هو العضو الرئيس من أعضاء الإنسان، بل هو جوهر قُدس الذات، خلقه الله سبحانه بنفخة من روحه، وألبسه ذلك الجزء الصنوبريّ، فالجُزء الصنوبريّ مُستقرُّه ومِثالُهُ كماء الضياء في العين، وإذا كانت المعدة معتدلة الإمتلاء، لا خالية ولا مالية، نشط الوجود، وراق الفكر، وصح الرأي، وعكس النقيضين عكس في الحال لا محالة.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب اللحم والعسل، وكان يأكل الثريد باللحم والقرع، ويأمر السيدة عائشة رضي الله عنها قائلاً (إذا طبختم قدراً، فأكثروا فيه من الدباء فإنه يسرُّ القلبَ الحزين)، وكان يأكل لحم الطير الذي يُصاد، ولكن لا يتبعه ولا يصيده، ويحب أن يُصاد له، وإذا جيء له به أكله.

وكان يحبُّ من الشاةِ الذراعَ والكتف، ويحب الخبز المتخَذ من دقيق برٍّ وسمنٍ ولبن، وأكل من خبز الشعير، وأكل الرطب بالقثاء، ويحب الزبد والتمر، ويحب اللبن، ولم يشبع من طعامٍ قط.

وهذا كان دأب شيخِنا سيد الصدِّيقين في زمانه، الغوث الأكبر ( السيد أحمد الرفاعي الحُسيني ) رضي الله عنه وعنّا به، ونفعنا بعلومه وآدابه والمسلمين.

فاعمل أيها المحب بهذا الأدب، لا تُفرِّط ولا تُفرِط، وكُن وسطاً والسلام علينا وعليك والحمد لله رب العالمين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ساري الجنابي
عضو متالق
عضو متالق
avatar

عدد المساهمات : 14

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الجمعة سبتمبر 02, 2011 5:21 pm

بارك الله بيكم ونتمنى الابداع والتواصل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابو دجانة
الدعم الفني
الدعم الفني


وسام التميز :
ذكر عدد المساهمات : 56
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 11:31 am

جزاك الله خير الجزاء على هذا العمل

نعنا الله بك واصلحنا واصلحك الله

عليك الرد جميع الروابط مخفيه
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سهيل الزوبعي
عضو شرف
عضو شرف
avatar

وسام التميز :
عدد المساهمات : 61

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الأحد أكتوبر 09, 2011 12:47 am

بارك الله فيك
لآراك الله ظلمة
ولاحلت بصدرك غمة
ولاطلبت من الله شيئا الآاتمه
اسال الله ان يسعدك
ومن انهر الجنة يسقيك
ومن سندسها يكسيك
اللهم كما أضأت كونك بنور شمسك
فأضئ فلبه بنور حبك
ضياء لاينطفي ابدا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زهير
عضو متالق
عضو متالق
avatar

ذكر عدد المساهمات : 9
مرشد*مريد*مداح : مريد

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مراحل السالكين   الخميس يوليو 12, 2012 10:37 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب مراحل السالكين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مَوقِع الطَريقَة الرِفاعيَة :: الطَريقَة الرِفاعيَة الشيخ أحَمَد بِن عَلي الرِفاعي 578هـ العِراق وَمِصر وَغربِ آسيا-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: